-
ندى أيوب -
على طاولة مجلس الوزراء اليوم بندٌ يتعلّق بطلب وزارة التربية الموافقة على تمويل بقيمة 1.8 مليون دولار شهرياً، لتغطية ما تقول الوزيرة ريما كرامي إنّها مصاريف تشغيلية لـ416 مركز نزوح.
الكتاب الذي وجّهته كرامي إلى رئيس الحكومة نواف سلام في 26 آذار الماضي (اطّلعت عليه «الأخبار»)، لا يتضمّن سوى طلب التمويل الذي حدّدته الوزيرة بنفسها، استناداً إلى دراسة أعدّتها، من دون إرفاقها أو عرض أيّ من تفاصيلها، تحت عنوان عام هو «المصاريف التشغيلية». وتقترح كرامي تأمين المبلغ عبر الهيئة العليا للإغاثة وتحويله إلى حساب الخزينة، ليُصار لاحقاً إلى تحويله إلى مراكز الإيواء، بموجب قرارات تصدر عنها بالتنسيق مع مديرية الخزينة في وزارة المالية.
من جهتها، أبلغت «الهيئة العليا للإغاثة» سلام، في كتاب رسمي، موافقتها على تأمين التمويل المطلوب. وعليه، فإن السؤال: كيف يمكن للهيئة، للحكومة، الموافقة على الطلب من دون الاطلاع على الدراسة التي أعدّتها كرامي؟ وهل تعرض الوزيرة هذه الدراسة خلال جلسة اليوم؟
في حال وافقت الحكومة على دفع مبلغ بهذا الحجم من المال العام، تكون قد شرّعت عملياً ضرب مبادئ الشفافية وحسن إدارة المال العام، ولا سيّما أنّ «الأخبار» علمت بأنّ كرامي كانت قد طلبت، خلال الحرب، من جهات مانحة عدّة تمويلاً نقدياً لتغطية المصاريف التشغيلية لمراكز النزوح، إلا أنّ طلبها قوبل بالرفض. ويعود ذلك، بحسب الجهات المانحة، إلى قناعة لديها بأنّ تحويل الأموال مباشرة إلى وزارة تتولّى بنفسها إدارة الإنفاق على المصاريف التشغيلية يطرح محاذير مرتبطة بالشفافية، ولا يضمن استجابة سريعة وفعّالة.
وبحسب المانحين، فإنّ تسريع الاستجابة يكون عبر تكليف وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة على الأرض وفي مراكز النزوح بهذه المهمّة، كلّ ضمن القطاع المتخصّص فيه، سواء المياه أو الغذاء أو الإيواء أو الطبابة، على أن يتمّ التمويل مباشرة من الجهات المانحة، التي تتّجه، وفق المعلومات، إلى «رفع سقف المساعدات».
إضافة إلى ذلك، فإنّ المصاريف التشغيلية مُدرجة أساساً ضمن خطة الاستجابة الحكومية، ما يفترض تغطيتها إمّا عبر مساعدات تقدَّم أو تُنفَّذ من قبل الوكالات والمنظمات الدولية، شأنها شأن باقي بنود الخطة، وإمّا عبر الأموال التي تصل عبر «النداء العاجل».
يُثير الكتاب سلسلة واسعة من التساؤلات الجوهرية. فبالعودة إلى مضمونه والجداول المرفقة به (تتضمّن معلومات عن 416 مركز إيواء) يتبيّن أنّ كرامي اكتفت بعرض مبلغ شهري مقطوع، من دون تقديم تفاصيل دقيقة حول أعداد النازحين المقيمين في كل مركز. إذ اكتفت بالإشارة إلى عدد الغرف المشغولة، علماً أنّ بعض المراكز لا يضمّ سوى غرفتين أو ثلاث أو أربع غرف يشغلها نازحون. وهذا ما يدفع إلى التساؤل حول جدوى تشغيل مركز إيواء بكل ما يستلزمه من نفقات تشغيلية وإدارية ولوجستية، من أجل عدد محدود جداً من الغرف، بدلاً من دمج هذه المراكز ببعضها البعض.
كما أنّه، وفي حال لم تكن هناك نسخة محدّثة بعد مرور شهرين على إرسال الكتاب إلى سلام، ستكون الحكومة أمام معطيات غير دقيقة، إذ لم يعد عدد مراكز الإيواء اليوم 416، إلا إذا كانت الوزيرة تنوي دعم بعض المراكز دون غيرها. كذلك، فإنّ أعداد النازحين الموزّعين على المراكز لم تعد كما كانت، في ظلّ حركة الدخول والخروج المستمرة بفعل تبدّل الظروف الأمنية، فضلاً عن احتمال أن يكون بعض هذه المراكز غير مشغول فعلياً اليوم.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ظلّ غياب أيّ توضيح عمّا إذا كانت كرامي أخذت في الاعتبار حجم المساعدات والخدمات المجانية التي تقدّمها الهيئة العليا للإغاثة، ووكالات الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية، والجمعيات الأهلية، والبلديات. وتشمل هذه المساعدات المياه، والمحروقات، ومواد التنظيف، ومستلزمات التشغيل الأساسية، مثل المولدات الكهربائية، والبطاريات، وأجهزة الإنارة، وغسالات الملابس، والمطابخ الجاهزة، إضافة إلى أعمال الصيانة وغيرها من الخدمات اللوجستية.
علماً أن هذه التقديمات تُشكّل جزءاً أساسياً من عمل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، التي خصّصت لها قطاعات تشغيلية كاملة ضمن خطط الاستجابة. أمّا المساعدات الغذائية والصحية والطبية، إلى جانب حصص النظافة وحاجات الأطفال، فتتولّى الجهات الدولية والأهلية نفسها تقديمها. ورغم وجود نقص واضح في حجم هذه المساعدات، إلا أنّ مهمة تأمينها لا تقع على وزارة التربية.
وفي جميع الأحوال، يُفترض أن تُسهم هذه التقديمات في تخفيف جزء أساسي من الأعباء التشغيلية المفترضة. أمّا تجاهل هذه الموارد والمساهمات، فقد يؤدّي إلى التباس في تقدير الكلفة الفعلية، وإلى احتساب نفقات سبق تمويلها من مصادر أخرى، بما يفتح الباب أمام ازدواجية في التمويل. وفي غياب هذه المعطيات الأساسية، يصبح من المتعذّر التحقّق من مدى تناسب النفقة المطلوبة مع الاحتياجات الفعلية للمراكز، كما يصعب تقييم مدى عدالة توزيع الموارد العامة بين مراكز الإيواء المختلفة، وفقاً لحجم الحاجة الحقيقي في كلّ منها.
ويبرز كذلك تساؤل أساسي يتعلّق بمبدأ منع الازدواجية في الإنفاق العام. فهذه المراكز هي في الأصل مدارس رسمية، أو معاهد فنية، أو فروع تابعة للجامعة اللبنانية، وتُخصَّص لها اعتمادات تشغيلية ضمن موازناتها العادية لتغطية نفقات الكهرباء والمياه والصيانة والحراسة والخدمات العامة.
لذا، يفترض توضيح ما إذا كانت الوزارة قد أجرت مقاصة محاسبية بين النفقات التشغيلية الاعتيادية المموّلة لتشغيل هذه المؤسسات، وبين الكلفة الإضافية الناتجة حصراً عن استخدامها كمراكز إيواء. ويُضاف إلى ذلك وجود تمويل دولي مخصّص أصلاً لصناديق المدارس لتغطية المصاريف التشغيلية، ضمن برامج تمويل قائمة منذ ما قبل الحرب، ما يفرض بدوره توضيح كيفية احتساب هذه الموارد ضمن الكلفة المطلوبة.
ومن المسائل التي تتطلّب توضيحات أيضاً، ما إذا كانت الوزارة قد استمعت إلى النازحين أنفسهم، أو أجرت أيّ تقييم ميداني مستقل لمدى توافر الخدمات التشغيلية المطلوبة وجودتها. فالكتاب لا يشير إلى وجود استبيانات، أو تقارير تقييم، أو آليات لتلقّي الشكاوى، أو حتى مؤشرات لقياس مستوى رضا المقيمين عن الخدمات التشغيلية المقدّمة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظلّ الشكاوى المتكرّرة من تدنّي مستوى الخدمات في عدد من مراكز الإيواء، علماً أنّ بعض النازحين اضطرّوا، في بعض المراكز، إلى شراء مياه الاستخدام على نفقتهم الخاصة، ما يطرح تساؤلات جدّية حول العلاقة بين حجم الإنفاق المالي والنتائج الفعلية المتحقّقة على أرض الواقع. كذلك كان من المتوقّع أن تتضمّن الدراسة مؤشرات مقارنة واضحة، مثل الكلفة الشهرية لكل نازح، والكلفة التشغيلية لكل مركز، بما يتيح إجراء مراجعة منطقية للأرقام المقترحة، والتحقّق من مدى واقعيتها.
غياب آليات الرقابة
ومن التساؤلات الإضافية التي تفرض نفسها: هل خضعت الدراسة لمراجعة مسبقة من وزارة المالية، أو الهيئة العليا للإغاثة، أو أجهزة الرقابة المتخصّصة؟ وهل وُضعت آلية واضحة للمحاسبة اللاحقة والتدقيق المالي؟
وهل ستُربط التحويلات المالية بتقارير دورية توثّق نسب الإشغال، والفواتير، والمستندات التي تثبت النفقات الفعلية؟ وهل ستُعاد الأموال غير المصروفة أو الفائضة في حال انخفاض أعداد النازحين أو إقفال بعض المراكز؟ وهل ستخضع هذه النفقات لرقابة ديوان المحاسبة، أو التفتيش المركزي، أو أيّ جهاز رقابي متخصّص؟
كذلك، لم تُحدّد المراسلة الجهة التي ستتولّى المسؤولية الإدارية أو المالية عن كلّ مركز من مراكز الإيواء، سواء أكانت وزارة التربية، أم إدارة المدرسة أو المعهد الفني، أم الجامعة اللبنانية. ويُعدّ تحديد هذه المسؤوليات أمراً أساسياً لضمان وضوح الصلاحيات، والإشراف على الإنفاق، وحفظ المستندات، ورفع التقارير، وإخضاع كل نفقة لرقابة لاحقة فعّالة.
وتؤكّد المعايير الدولية للاستجابة الإنسانية، ولا سيّما المعايير الواردة في دليل Sphere Standards، أنّ أيّ موازنة تشغيلية لمراكز الإيواء يجب أن تستند إلى بيانات دقيقة حول أعداد المستفيدين، وطبيعة الخدمات المقدّمة، والموارد المتاحة من الجهات الأخرى، إضافة إلى آليات الرقابة والمساءلة والتدقيق، وربط الاعتمادات باحتياجات فعلية قابلة للقياس والتقييم المستمر. في المقابل، لم توضّح كرامي آليات التحقّق الميداني من جودة الخدمات المقدّمة، ولا سبل منع الازدواجية في التمويل بين الاعتمادات التشغيلية العادية للمدارس، وبين النفقات الاستثنائية المرتبطة باستخدامها كمراكز للإيواء.
لا خلاف على أنّ تأمين ظروف إنسانية لائقة للنازحين يشكّل واجباً وطنياً وأخلاقياً، لكنّ ذلك لا يُعفي الجهات الرسمية من الالتزام بقواعد الشفافية والمساءلة وحسن إدارة المال العام، خصوصاً عند طلب اعتماد مالي شهري بهذا الحجم، يُفترض أن ينسجم مع أفضل الممارسات الإدارية والمالية. وفي غياب هذه المعطيات، حتى الآن، يبقى من المشروع السؤال: هل يعكس المبلغ المطلوب كلفة حقيقية موثّقة، أم أنّه مجرّد تقدير إجمالي غير مدعّم بما يكفي من البيانات التي تمكّن مجلس الوزراء وأجهزة الرقابة من اتخاذ قرار مستنير يصون المال العام؟
الجهات المانحة لكرامي: أين المسح؟
تؤكّد جهات مانحة أنّ الفرق التابعة للوكالات الدولية وشركائها قادرة على إجراء تقييم لأعمال الصيانة المطلوبة في مراكز الإيواء، وأنّ الوزيرتين ريما كرامي وحنين السيد تعلمان أنّ هذه الجهات تتعاون أساساً في توفير الخدمات المدرجة ضمن بند «المصاريف التشغيلية»، والملحوظة أصلاً في خطة الاستجابة الحكومية.
وعلمت «الأخبار»، من مصادر موثوقة، أنّ مجموعة من الجهات المانحة طلبت من كرامي، أكثر من مرّة، تزويدها بمسح شامل للهبات والمساعدات المقدّمة من مختلف الجهات، بما يسمح باتخاذ قرارات تمويلية متكاملة تُكمل بعضها بعضاً، استناداً إلى مجمل الموارد المتاحة لدى وزارة التربية، وبهدف تحديد الفجوات الفعلية في الاحتياجات، وكذلك للتحقّق ممّا إذا كانت الأولويات التي تعمل على أساسها الوزارة تتناسب فعلاً مع حاجات الطلاب والمدارس والكادر التعليمي. إلا أنّ كرامي، بحسب المصادر نفسها، لم تقدّم هذا المسح حتى الآن.
-